السيد محمد مهدي الخرسان
144
موسوعة عبد الله بن عباس
ولتنوير القارئ بشيء من سابقتي الرجلين الأشعث وأبي موسى نذكرهما بما قيل فيهما بشهادة سادة الصحابة : أمّا الأشعث فقد كان ذا سابقة سيئة في الإسلام ، فقد أسلم أيام النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ثمّ ارتدّ بعد وفاته ، وألّب قومه حتى ورّطهم الحرب ، ثمّ أسلمهم وأسرع إلى المدينة إلى أبي بكر ليعصم دمه بالتوبة ، ولم يكتف حتى أصهر إلى أبي بكر على أخته أم فروة ، وخمل أيام عمر إلاّ أنّ عثمان في أيامه ولاه آذربيجان ، ولمّا تولى الإمام الخلافة عزله لخيانته ، وقد وصفه ( عليه السلام ) وصفاً رائعاً ودقيقاً فقال : ( أمّا هذا الأعور - يعني الأشعث - فإنّ الله لم يرفع شرفاً إلاّ حسده ، ولا أظهر فضلاً إلاّ عابه ، وهو يمنّي نفسه ويخدعها ، يخاف ويرجو فهو بينهما لا يثق بواحد منهما ، وقد منّ الله عليه بأن جعله جباناً ، ولو كان شجاعاً لقتله الحقّ ) ( 1 ) . قال ابن أبي الحديد : « كلّ فساد كان في خلافة عليّ ( عليه السلام ) ، وكلّ اضطراب حدث فأصله الأشعث ، ولولا محاقة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في معنى الحكومة في هذه المرّة لم يكن حرب النهروان ، ولكان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ينهض بهم إلى معاوية ويملك الشام ، فإنّه صلوات الله عليه حاول أن يسلك معهم مسلك التعريض والمواربة ، وفي المثل النبوي صلوات الله على قائله : الحرب خدعة ، وذاك إنّهم قالوا له تب إلى الله ممّا فعلت كما تبنا ننهض معك إلى حرب أهل الشام ، فقال لهم كلمة مجملة مرسلة يقولها الأنبياء والمعصومون وهي قوله : استغفر الله من كلّ ذنب ، فرضوا بها وعدّوها إجابة لهم إلى سؤالهم ، وصفت له ( عليه السلام ) نيّاتهم واستخلص بها ضمائرهم من غير أن تتضمن تلك الكلمة اعترافاً
--> ( 1 ) أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 545 في الحكم المنثورة برقم 478 .